عبد الملك الثعالبي النيسابوري
115
يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر
الباب الثاني في ذكر العصريين المقيمين بالحضرة البخارية والطارئين عليها ، والمتصرفين في أعمالها وتوفية الكتاب شرطه من ملح أشعارهم وظرف أخبارهم . كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد ، وكعبة الملك ، ومجمع أفراد الزمان ، ومطلع نجوم أدباء الأرض ، وموسم فضلاء الدهر . فحدثني أبو جعفر محمد بن موسى الموسوي قال : اتخذ والدي أبو الحسن دعوة ببخارى في أيام الأمير السعيد جمع فيها أفاضل غربائها كأبي الحسن اللحام ، وأبي محمد بن مطران ، وأبي جعفر بن العباس بن الحسن ، وأبي محمد ابن أبي الثياب ، وأبي النصر الهرثمي ، وأبي نصر الظريفي ، ورجاء بن الوليد الأصبهاني ، وعلي بن هارون الشيباني ، وأبي إسحاق الفارسي ، وأبي القاسم الدينوري ، وأبي علي الزوزني ، ومن ينخرط في سلكهم ، فلما استقر بهم مجلس الأنس أقبل بعضهم على بعض يتجاذبون أهداب المذاكرة ، ويتهادون رياحين المحاضرة ، ويقتفون نوافج الأدب ، ويتساقطون عقود الدر ، وينفثون في عقد السحر . فقال لي أبي : يا بني هذا يوم مشهود مشهور ، فاجعله تاريخا لاجتماع أعلام الفضل وأفراد الوقت ، واذكره بعدي في أعياد الدهر ، وأعيان العمر ، فما أراك ترى على السنين أمثال هؤلاء مجتمعين ، فكان الأمر على ما قال ، ولم تكتحل عيني بمثل ذلك المجمع . * * *